أحمد بن محمد القسطلاني
66
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( أن أنفخهما ) بهمزة وصل وكسر النون للتكيد وبالجزم على الأمر . وقال الطيبي : ويجوز أن تكون مفسرة لأن أوحي متضمن معنى القول ، وأن تكون ناصبة والجار محذوف ( فنفختهما فطارا ) في ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما لأن شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة قاله بعضهم ، ورده ابن العربي بأن أمرهما كان في غاية الشدة لم ينزل بالمسلمين قبله مثله . قال في الفتح : وهو كذلك لكن الإشارة إنما هي للحقارة المعنوية لا الحسية وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما ( فأولتهما ) أي السوارين ( كذابين ) لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه ، ووضع سواري الذهب المنهي عن لبسه في يديه من وضع الشيء في غير موضعه إذ هما من حلية النساء ، وأيضًا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم أنه شيء يذهب عنه وتأكد ذلك بالأمر له بنفخهما فطارا ، فدلّ ذلك على أنه لا يثبت لهما أمر ، وأيضًا يتجه في تأويل نفخهما بأنه قتلهما بريحه لأنه لم يغزهما بنفسه ، فأما العنسي فقتله فيروز الصحابي بصنعاء في حياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مرض موته على الصحيح ، وأما مسيلمة فقتله وحشي قاتل حمزة في خلافة الصديق - رضي الله عنه - . ( يخرجان بعدي ) استشكل بأنهما كانا في زمنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وأجيب : بأن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة . نقله الإمام النووي عن العلماء . قال الحافظ ابن حجر : وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فادعى النبوة وعظمت شوكته وحارب المسلمين وفتك فيهم وغلب على البلدان وآل أمره إلى أن قتل في حياته عليه الصلاة والسلام كما مرّ ، وأما مسيلمة فكان ادعى النبوة في حياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلا في زمن الصديق ، فأما أن يحمل ذلك على التغليب أو أن المراد بقوله بعدي أي بعد نبوتي . ( فكان أحدهما العنسي ) بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة من بني عنس وهو الأسود واسمه عبلة بعين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة ابن كعب ويقال له : ذو الخمار بالخاء المعجمة لأنه كان يخمر وجهه ( والآخر مسيلمة ) بكسر اللام مصغرًا ابن ثمامة بضم المثلثة ابن كبير بموحدة ابن حبيب بن الحرث من بني حنيفة ( الكذاب صاحب اليمامة ) بتخفيف الميمين مدينة باليمن على أربع مراحل من مكة . قال في المفهم : مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا كالساعدين للإسلام ، فلما ظهر فيهما الكذابان وتبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين والسواران بمنزلة الكذابين وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه ؛ والزخرف من أسماء الذهب . وهذا الحديث أخرج أيضًا في المغازي ومسلم والترمذي والنسائي في الرؤيا . 3622 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرَ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَه ، فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ » . [ الحديث 3622 - أطرافه في : 3987 ، 4081 ، 7035 ، 7041 ] . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا ( محمد بن العلاء ) بن كريب الهمداني الكوفي قال : ( حدّثنا حماد بن أسامة ) أبو أسامة القرشي مولاهم الكوفي ( عن بريد بن عبد الله ) بضم الموحدة مصغرًا ( ابن أبي بريدة ) بضم الموحدة وسكون الراء ( عن جده أبي بردة ) الحرث أو عامر ( عن أبي موسى ) عبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله عنه - ( أراه ) بضم الهمزة أظنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) والقائل أراه قال الحافظ ابن حجر هو البخاري كأنه شك هل سمع من شيخه صيغة الرفع أو لا ، وقد ذكر مسلم وغيره عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ المؤلف فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة بل جزموا برفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ( قال ) : ( رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فدهب وهلي ) بفتح الواو والهاء وتسكن وبه جزم في النهاية وكسر اللام أي وهمي ( إلى أنها اليمامة أو هجر ) بفتح الهاء والجيم غير منصرف مدينة معروفة باليمن ، ولأبي ذر أو الهجر بزيادة ال ( فإذا هي ) مبتدأ وإذا للمفاجأة ( المدينة ) خبره